حبيب الله الهاشمي الخوئي

314

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يكون مترقّيا فيها فان وصل إلى درجة وبقى فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدّرجة حجابا له عن الترقي إلى ما فوقها . ولما كان لا نهاية لهذه الدّرجات كان العبد دائما في السير والانتقال بحسب قوّة عقله واستعداد ذاته إلى أن يبلغ إلى مقام عجز عن التّرقي إلى ما فوقه ، ويقصر عن إدراكه ، وهذا شأن الرّاسخين السّالكين في مقام السّلوك بقدمي العرفان المترقين في مقام المعرفة من مرتبة إلى مرتبة حتّى يقصروا عن الترقي إلى ما فوقها فيغنيهم حينئذ عن اقتحام السدد المضروبة اعترافهم بجملة ما جهلوا تفسيره على ما أشار إليه الامام عليه السّلام ( فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه رسوخا ) . عجز الواصفون عن صفتك اعتصام الورى بمغفرتك تب علينا فانّنا بشر ما عرفناك حقّ معرفتك ( فاقتصر ) أيّها السّائل ( على ذلك ) أي على ما دلّ عليه الكتاب العزيز من صفته ( ولا تقدّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين ) الذين اعتقدوا أنّ عقلهم قدّره سبحانه وأحاط به علما ، وصغّروا عظمته سبحانه بحسب عقلهم الضعيف مع أنّ عظمته تعالى أجلّ وأعظم من أن يضبطها عقل بشرى ، وإنما منشأ ذلك الحكم لمن حصل له هو الوهم الحاكم لمثليّة الله لمدركاته من الأجسام والجسمانيات ، وذلك في الحقيقة كفر لاعتقاد غير الصّانع صانعا ، وضلال عن طريق معرفة الله ، مستلزم للهلاك الدّائم ، والخزي العظيم . المقصد الثاني متضمن للتنبيه على عجز العقول عن الاكتناه في ذاته تعالى وعن معرفتها به حقّ المعرفة ، ولبيان أنّ حقّها وحظَّها الاستدلال عليه بآيات العظمة وآثار الصّنع والقدرة ودلائل الملك والملكوت . اما الأول فهو قوله : ( هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع